الشيخ محمد النهاوندي
61
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَأُولئِكَ المتباعدون عن رحمة اللّه ، الخارجون عن وظائف الإنسانيّة أَصْحابُ النَّارِ وملازموها و هُمْ فِيها خالِدُونَ مقيمون أبدا ، لا مناصّ لهم ولا خلاص . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه قال : يريد بني قريظة والنضير ؛ لأنّ مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرّسول ما كان إلّا المال والولد « 1 » . وقيل : إنّما نزلت في أبي سفيان ، فإنّه أنفق مالا كثيرا على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 2 » . وقيل : إنّما نزلت في مشركي قريش ، فإنّ أبا جهل كان كثير الافتخار بماله « 3 » . وقيل : إنّها عامّة لجميع الكفّار ، فإنّ جميعهم كانوا يتعزّزون بكثرة الأموال والأولاد ، وكانوا يعيّرون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه بالفقر ، ويقولون : لو كان محمّد على الحقّ لما تركه ربّه في هذا الفقر والشدّة « 4 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 117 ] مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) ثمّ لمّا بيّن اللّه تعالى أنّ أموال الكفّار لا تفيدهم شيئا - وهم كثيرا ما كانوا ينفقون أموالهم في الخيرات ؛ كالصّدقة على الفقراء ، وإعانة الضّعفاء - فكان مجال توهّم أنّهم ينتفعون بأموالهم في الآخرة ، فأزال اللّه ذلك التّوهّم بقوله : مَثَلُ كفرهم في إبطال ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا قربة ، أو مفاخرة ، أو سمعة وطلبا لحسن الذّكر بين النّاس ، أو رياء وخوفا كإنفاق المنافقين كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ وبرد شديد مهلك . وقيل : إنّ المعنى : فيها نار محرقة ، للهبها صرّ وصوت . وكلاهما مرويّ عن ابن عبّاس « 5 » . أَصابَتْ تلك الرّيح المهلكة حَرْثَ قَوْمٍ وزرع طائفة ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي فَأَهْلَكَتْهُ واستأصلته ، بحيث لم يبق لهم ثمر ولا نفع بوجه من الوجوه ، ولم يحصل لهم إلّا الخيبة والحسرة . وقيل : إنّ المراد تشبيه ما أنفق الكفّار - في وجوه الخيرات والقربات ، أو في معارضة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وقتال المسلمين ، كإنفاق أبي سفيان في بدر وأحد ، وسائر أعمالهم الحسنة التي يرجى منها النّفع ولو كان دنيويّا - في الهلاك والضّياع والبطلان ، بما يحرثه الكفّار ، فضربته صرّ فأبادته بحيث لم يكن لهم
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 192 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 193 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 192 . ( 4 ) . تفسير الرازي 8 : 193 . ( 5 ) . تفسير الرازي 8 : 195 .